أحمد مصطفى المراغي
109
تفسير المراغي
وإنه ليستبين من هذا القصص أن امرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها الوزير الكبير ، تصرفه كيف شاءت وشاء لها الهوى ، إذ كان فاقدا للغيرة كأمثاله من كبراء لدنيا صغار الأنفس عبيد الشهوات . قال في الكشاف عند ذكر ما رأوا من الشواهد الدالة على براءته : وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، وفتلها منه في الذروة والغارب ، وكان مطواعة لها ، وجملا ذلولا زمامه في يدها ، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه لإلحاق الصغار به كما أوعدته ، وذلك لما أيست من طاعته ، وطمعت في أن يذلّله السجن ويسخره لها اه . وإنا لنستخلص من هذه القصة الأمور التالية : ( 1 ) أن النقم قد تكون ذريعة لكثير من النعم ، ففي بدء القصة أحداث كلها أتراح ، أعقبتها نتائج كلها أفراح . ( 2 ) أن الإخوة لأب قد توجد بينهم ضغائن وأحقاد ربما تصل إلى تمنى الموت أو الهلاك أو الجوائح التي تكون مصدر النكبات والمصائب ( 3 ) أن العفة والأمانة والاستقامة تكون مصدر الخير والبركة لمن تحلى بها ، والشواهد فيها واضحة ، والعبرة منها ماثلة ، لمن اعتبر وتدبر ونظر بعين الناقد البصير . ( 4 ) إن أسها ودعامتها هو خلوة الرجل بالمرأة ؛ فهي التي أثارت طبيعتها وأفضت بها إلى إشباع أنوثتها ، والرجوع إلى هواها وغريزتها ، ومن أجل هذا حرم الدين خلوة الرجل بالمرأة وسفرها بغير محرم ، وفي الحديث « ما اجتمع رجل وامرأة إلا والشيطان ثالثهما » . وإنا لنرى في العصر الحاضر أن الداء الدوىّ ، والفساد الخلقي ، الذي وصل إلى الغاية ( وكلنا نلمس آثاره ، ونشاهد بلواه ) ما بلغ إلى ما نرى إلا باختلاط الرجال بالنساء في المراقص والملاهي ، والاشتراك معهم في المفاسد والمعاصي كمعاقرة الخمور ، ولعب القمار في أندية الخزي والعار ، وسباحة النساء مع الرجال في الحمامات المشتركة .